Tuesday, July 29, 2008



وداعا شاهين



رحل يوسف شاهين , وقبلها رحلت ذاكرته , وغاب عن الوعي في مشهد سينمائي مؤثر لايختلف كثيرا عن المشاهد التي حفلت بها أفلامه . بقى شاهين لمدة شهر غائبا عن الوعي وكأن وعيه يرفض ان يغيب . انتهى صراع شاهين مع نفسه بعد صراع طويل مع الأحباب والأصحاب والأصدقاء والأعداء والبسطاء والحكام . غاب أخيرا عن الوعي بشكل رسمي أعلنته الحكومة وأعلنته السماء واحد من أهم المخرجين العرب الذين أقاموا الدنيا وشغلوا الناس . وسواء شئنا أم أبينا وافقنا اوترددنا في اعلان ذلك فان يوسف شاهين نعيد ونؤكد كما يعيد ويؤكد كل من أحب سينماة هو الأب الروحي للسينما العربية الحديثة, وهو المؤسس لهذه السينما على مستوى المضمون والشكل . شاهين هو المتمرد ضد جميع أشكال القهر , وهو المؤسس لسينما الأنا التي تطرح مشاكلها الذاتية الفردية وتحاول ان تتواصل مع الأخر من خلال هذه المكاشفة , , وتعانق حين تنطلق متحررة من أسرها , تعانق الوجود كله . السينما التي قدمها لنا شاهين عبر افلامة عالجت كافة الأنواع و تمثل لنا عالما يلتهم كافة مظاهر الحياة . قدم لنا الكوميديا؟في ( بابا أمين ) والدراما الاجتماعية في ( ابن النيل ) والميلودراما في ( نداء العشاق ) والكوميديا الموسيقية في ( بياع الخواتم ) والدراما الملحمية في ( صلاح الدين ) و( المهاجر ) وو( وداعا بونابرت ) والسينما الحديثة في ( الاختيار ) والفيلم الوطني في ( جميلة بوحريد ) كما قدم لنا فانتازيا السيرة الذاتية في ( حدوتة مصرية ) و( أسكندرية ليه ؟ ) و ( إسكندرية كمان وكمان ) و( الاخر ) وفى كل افلامة كان الموضوع الرئيسي هو الهوية .

ان أية مراجعة بسيطة لأفلام يوسف شاهين ولسينما يوسف شاهين إنما هي مراجعة عكسية في واقع الأمر للتاريخ العربي المعاصر منذ الخمسينات ولغاية يومنا هذا . منذ ( بابا امين ) وحتى ( هى فوضى )
ويمكن إرجاء التناقض الملحوظ في سيرته السينمائية طيلة السنوات الأخيرة إلى السير المتعرج للعمل السياسي في الوطن العربي الذي خرج إلى العالم بمبدأ تطبيق الوحدة بمثل الطريقة التي أدت إلى نشوء عصر الانفصال , وأخيرا التفتت الموجود في الوطن العربي الذى يعيش أزهى فترات انحطاطه .
أفلام شاهين تحتاج إلى أكثر من مشاهدة لأنها أفلام تحرض - بعد استمتاعنا بقيمتها الفنية العالية وجماليتها الحديثة –على التفكير , وتحثنا على التغيير بجرأة مذهلة , وتعلمنا منظومة من القيم , لعل أهمها قيمتي التأمل والتسامح اذاكان هناك مايدعو للتسامح .
يعود الابن الضال ليستريح
ويرحل فنان جرىْ وشجاع
وتفقد الثقافة العربية الحديثة واحدا من أهم أعمدتها
ونقول وداعا أيها المخرج الكبير

عماد النويرى



No comments: