Friday, January 18, 2008



يعرض الان


هى فوضى ..... فيلم منطقى بلون الواقع



عرض وتحليل عماد النويرى

قبل الكتابة عن هذا الفيلم كان لى ان احدد من هو المخرج الحقيقى ؟ خاصة ان يوسف شاهين ( 82 عاما ) وللمرة الاولى يكتب اسم مخرج اخر معه بعد ان قدم للسينما العربية عشرات الافلام التى حقق بعضها نجاحات كثيرة على المستوى الجماهيرى والنقدى على راسها ( صلاح الدين ) و( الارض ) قبل ان تستهويه سينما المؤلف والبحث عن الذات . ومعنى ان يصر شاهين على مشاركة مخرج اخر احدى اعماله فان ذلك يعنى اعترافه بان المخرج خالد يوسف قام بجهد كبير فى تحقيق الرؤية وتنفيذ الفيلم . لكن من ناحية اخرى فان خالد يوسف كلما تعرض للسؤال عن طبيعة مشاركته وحجم انجازه فانه بتواضع شديد يؤكد ان الصانع الحقيقى هو شاهين وان الاخير قد اصر على وضع اسمه بجانب اسمه وهذا شرف كبير يحظى به التلميذ من الاستاذ .
واذا تاملنا العلاقة الوثيقة والوطيدة بين شاهين وخالد يوسف سنجد انهما يتشاركان فى العديد من الرؤى , وقبلها تشاركا فى اكثر من عمل قبل ان ينطلق خالد يوسف ويقدم ( العاصفة ) ذلك الفيلم الذى وضعه فى دائرة الاهتمام . ويمكن القول ان افكار خالد يوسف وثقافته ووجهة نظره عن الحياة كانت قريبة – ومازالت - الى حد كبير من ثقافة وافكار شاهين عن دور الفن واهداف السينما , وفى الوقت ذاته كانت مدرسة شاهين هى البنية الاساسية و المناسبة التى ساعدت على صياغة وتطوير ادوات خالد الاخراجية . من هنا فان السؤال عن مخرج ( هى فوضى ) الحقيقيى هو نوع من ( تحصيل الحاصل ) لاننا فى النهاية نتعامل مع مدرسة اخراجية عتيقة لها اصولها وطقوسها وملامحها , وكل ذلك تاسس على مر نصف قرن اويزيد .
فى ( هى فوضى ) نحن بصدد حركة متدفقة من الصور التى تدور داخلها العديد من الاحداث . ويجسد الاحداث مجموعة متناقضة ومتشابهة من الشخوص ويحرك الشخوص مجموعة متناقضة ومتضاربة من الدوافع الداخلية والخارجية . وفى طريق ليس مفروشا بالورد يتم عرض نماذج من البشر تجسد الى حد كبير هؤلاء الذين يعيشون فى قلب الشارع المزدحم الذى يعج بالحب والكراهية , وعلى ضفافه يعيس المهمشون فى بؤس واحتياج , وفى قلب الشارع يتم تجاوز كل القوانين , بعد ان اصبحت تلك القوانين فى يد قلة فاسدة مستعدة دائما لبيع ضمائرها بابخس الاسعار .

حاتم هو الشخصية المركزية والمحورية فى قصة وسيناريو ناصر عبد الرحمن ويبدو من ملامحه انه تجاوز الاربعين لكن مازال قلبه ينبض بشدة لابنة الجيران التى تعمل مدرسة وقلبها مشغول بابن مديرة المدرسة الذى يعمل وكيلاا للنيابة . منذ المشهد الاول اذن قد تم تقديمنا كمشاهدين الى نوع الصراع الدرامى المنتظر الذى يتمحور حول مثلث العشق الشهير حيث يتصارع رجلان حول امراة والعكس يحدث احيانا . والقراءة الاولى للشخصية ستقودنا ايضا الى التعرف الى اوجة الاختلاف واوجة التشابة التى ستصنع المفارقة الدرامية فى مابعد , فحاتم ونور يتشابها ن فى خضوعهما لطبقة واحدة ومكان واحد لكنهما يختلفان تماما عن بعضهما البعض من حيث درجة النقاء والطهارة .
امين الشرطة حاتم فى القراءة الاولى للفيلم هو مجرد مواطن بسيط تيتم منذ الصغر وعانى من الوحدة والجوع والفقر وتربى ونشأ فى بيئة لم يشعرا ابدا من خلالها وفى محيطها بالامان والطمانينة . فى سلك الشرطة هناك الفرصة الذهبية لحاتم لكى يحل عقده الكثيرة التى تشكل نفسيته المريضة فهو سادى يقوم بتعذيب الطلبة المقبوض عليهم بشكل غير قانونى انتقاما من حرمانه من التعليم , وهو يضرب بعرض الحائط كل القوانين من اجل المال لعله يعوض به مافاته من حرمان , وهو يتعثر كطفل صغير ويجعلنا نتعاطف معه عندما يعشق المدرسة الصغيرة نور لعلها تعوضه بعض الحنان الذى افتقدة باليتم . وعندما ترفضه نور يتحول الى وحش غاضب ومعذب ويحاول الانتقام لفشله فى تحقيق الامل الوحيد الذى ملك عليه حياته عسى ان يعيد اليه توازنه .
فى قراءة ثانية وعلى المستوى الثانى فان حاتم هو رمز للكثير من الاشخاص الموجودين الان فى المجتمع المصرى وفى اغلب المجتمعات العربية هؤلاء الاشخاص الذين استطاعوا ان يخترقوا منظومة القانون الغائب بفعل غياب المرجعيات السياسية والثقافية والدينية وانشغالها بامور تحقق وجودها واطماعها .
وفى غفلة هذا القانون استطاع حاتم ومن يجسدهم اللعب بالقانون من اجل تحقيق مصالحهم الخاصة . فى الفيلم وفى الواقع , وفى عز النهار لايتوانى حاتم عن تقاضى ثمن فسادة علنا من خلال مبالغ من المال يفرضها على من يرغب فى تخليص مصالحه . وفى عز النهار لايتوانى من هو اكبر منه فى سلك الشرطة فى الشهادة معة لتبرئته من تهمة اغتصاب نور . انها منظومة فاسدة مترابطة تحافظ على وجودها ومصالحها .

الفيلم السيناريو اجاد فى رسم شخصية نور الداخلية والخارجية واجاد ايضا فى صنع تاريخ لها مناسب كواحدة من بنات الجيل الحالى تخرجت من الجامعة كدارسة للغة الانجليزية ولاتعرف كتابتها او نطقها بشكل صحيح . وهى صريحة وقوية ونقية لذلك فان ارتباطها بمديرة المدرسة يمكن تبريرة بسهولة , ويمكن ايضا تبرير رغبة هذة المديرة لتزويج البنت لابنها وكيل النيابة . وشخصية الام جاءت لتجسد صورة من بقايا الطبقة الوسطى التى انحسرت بفعل متغيرات المجتمع . وفى ظل الفساد الذى استشرى وفى ظل انحسار بل واختفاء الطبقة الوسطى التدريجى تصبح مديرة المدرسة وكانها كان على شك الانقراض ان لم ينقرض فعلا فهى امينة على ذكرى زوجها وترفض زواج ابنها من ابنة احد الاثرياء لان ذلك لايتناسب مع القيم التى تربت عليها . وفى تصويره للشخصيات الثانوية لعلنا نتذكر شخصية ام نور التى يمكن اعتبارها معادل موضوعى لشخصية بهية التى تكررت اكثر من مرة فى افلام يوسف شاهين ونذكر هنا تواجدها الطاغى فى فيلم ( العصفور ) . اما شخصية ابن مديرة المدرسة فقد جاءت لتجسد الجانب الاخر من الصراع , وهى شخصية متوازنة قادرة على اتخاذ القرار فعندما شعر وكيل النيابة ان حياته غير متكافئة مع خطيبته لم يتردد فى انهاء العلاقة وعندما ارتبط بنور كان قادرا كرجل شجاع الوقوف بجانيها وحمايتها بقدر المستطاع رغم وقوعها كضحية بائسة فى يد الشقى المعذب حاتم . وناتى الى حاتم الذى الذى اجاد السيناريو تصويره ليجعل منه ظالما ومظلوما وجلادا وضحية فى الوقت ذاته . ورغم كرهنا الشديد لما يفعل حاتم فانك لاتملك الا ان تتعاطف معه وترثى لموته كبطل تراجيدى وهذة هى المصيبة الكبرى !! رغم مشهد ثوة الشارع فى نهاية الفيلم ورغم صحوة الناس وهجومها على مركز الشرطة كنوع من التعبير عن الغضب فان الموت الماساوى لحاتم بانتحاره لم يدع الفرصة الكافية للمشاهد لكى يدين سلوكيات حاتم وجرائمه وكان كاتب السيناريو وربما يوسف شاهين وربما خالد صالح رفضوا معا اختزال الادانة فى شخص فرد حتى يتم توجية الادانة الى المنبع والى من هم وراء حاتم .
فى الفيلم ( الفن ) طبعا يمكن التوقف عند العديد من محطات التميز ولعل اول هذة المحطات واهمها هو اختيار الممثلين وادارتهم فقد اجاد خالد صالح الذى يتاهل ليصبح واحدا من اهم نجوم العام فى تجسيد شخصية حاتم لدرجة كبيرة وكان هو الانسب للدور , واستطاع توظيف ادواته الدخلية والخارجية ونجح فى ااضاءة مناطق الضعف ومناطق القوة فى الشخصية لدرجة مذهلة . ومع تقلبات الشخصية وتحولاتها تنقل خال صالح ببراعة الفاهم والواثق والدارس لكل هذة التحولات . وفى تجسيدها لشخصية نور تالقت منة شلبى واجادت ومن المؤكد ان هذ ا الفيلم يضعها فى مصاف النجمات الكبار للفترة المقبلة . و يعيد الثنائى يوسف شاهين وخالد يوسف اكتشاف هالة صدقى كممثلة موهوبة ذاكرة انفعالية عامرة بالمشاعر والاحاسيس ولاننسى هالة فاخر فى دور ام نور . وهناك اشارة ايضا الى الممثل الذى قام بتجسيد شخصية وكيل النيابة . ومع تالق الشخصيات فى ادوارها هناك اشارة ايضا الى الممثلين فى الادوار الثانوية والى الكومبارس الذى ساعد على اضفاء لون الواقع والحقيقة على مايحدث امامنا على الشاشة , والفضل هنا يعود ايضا الى مخرجى الفيلم والى احدى سمات مدرسة شاهين فى تشكيل اللقطة العامرة دائما بالحركة الموظفة . ويمكن ايضا الاشارة الى مهندس الديكور الذى اضفى بذوقه الكثير على الامكنة وماتمثله بالنسبة للشخصيات .
قد يعجب بعض المشاهدين بفيلم ( هى فوضى ) باعتباره واحدا من اكثر افلام يوسف شاهين تماسكا , ومن الممكن ان يعجب البعض الاخر هذا الفيلم نيتجة ارتباطه المباشر بواقع الحياة الان وبحالة الحراك الاجتماعى والسياسى التى يمر بها المجتمع المصرى . ومن المهم عند تفسير النجاح الكبير الذى يحققه الفيلم على مستوى شباك التذاكر ان نتذكر ان هناك بعض الاعمال الفنية وفى لحظة تاريخية معينة تاتى وكانها تعبر بصدق وبمنطق عن واقع الحال .

No comments: